مقالات

تأليه الحاكم

بقلم : محمد عبد الجبار الشبوط

تأليه الحاكم مرض، او خلل في المركب الحضاري للمجتمع، ظهر ربما لاول مرة في وادي الرافدين بعد ان انتقلت الجماعة البشرية انذاك من حالة السلطة الاجتماعية الى السلطة السياسية، و “هبوط الملوكية من السماء” كما تقول قائمة الملوك السومرية، ثم ظهرت في مصر على يد الفراعنة، كما ادعى بعض اباطرة الرومان الالوهية. وفي عصرنا الراهن برزت هذه الظاهرة على يد هتلر، وهي الان موجودة في اشد حالاتها في كوريا الشمالية، حيث رأيتُ الناس يركعون لتمثال مؤسس الدولة كيم ايل سونغ، جد رئيسها الحالي.
وفي العراق الحديث ظهر تأليه الحاكم بابشع صوره مع صدام حسين الذي عمّده حزبه العلماني “قائد الضرورة” ثم حاكت جوقة الاعلاميين المحيطين به قصة “عبادة الشخصية” التي صارت الدين الرسمي الاعلى للدولة البعثية البدوية- الريفية المتخلفة.
وقد عاصرت عملية تأليه صدام خطوة خطوة منذ ظهوره الاول في صورة منشورة واقفا خلف احمد حسن البكر ضمن فريق حمايته وهو يلقي كلمته.
وقام الفريق الاعلامي المحيط بصدام بتصنيع هذه العملية من خلال العديد من الادوات والفعاليات والرمزيات الاعلامية مثل التغطية التفصيلية اليومية لنشاطاته وتحركاته وزياراته الاستعراضية للمواقع الشعبية والتجمعات المحلية والصور الهوليودية، والظهور المكثف في التلفزيون. ونشر صوره بشكل يومي في الصفحات الاولى للجرائد العراقية انذاك، ورافق ذلك منحه اعلى رتبة في الجيش العراقي، وهي رتبة المهيب الركن، وهو الذي لم يرتدِ بدلة العسكرية يوما واحدا فكان اول ضابط دمج في الجيش العراقي ليحمل لقب القائد العام للقوات المسلحة!
يطلق القران اسم “الظاهرة الفرعونية” نسبة الى فرعون، وهو اللقب الذي يطلقه القران على حكام مصر القديمة.
تتميز ظاهرة تاليه الحاكم، او الفرعونية بعدة خصائص منها: السلطة المطلقة التي يملكها الحاكم، وهي سلطة فردية لا تنازع ولا تناقش. والحاكم الاله معصوم عن الخطأ في قراراته واحكامه، ولا يمكن تخطأته او نقده او رده.
ويقوم هذا الحاكم بتمزيق المجتمع الى فئات وطبقات واقسام ليسهل عليه حكمه، وفرض رؤيته الاحادية عليه، ويرافق ذلك تسطيح وعي وثقافة المجتمع. وكل هذه امور ذكرها القران بوضوح مطلق يمكن لمن يحب مراجعتها.

وتتفاعل عدة ظروف وعوامل فردية وجماعية، سياسية واجتماعية وعسكرية وغيرها في صناعة الحاكم الاله. ومن هذه العوامل المرض النفسي الذي يعاني منه الحاكم، وامتلاكه لسلطة كبيرة بين يديه، ونزوع ذاتي للتعالي والعظمة. وهناك العامل الاجتماعي الذي يتمثل باصابة المجتمع بمرض “العبودية الطوعية” الذي شخصه الفرنسي إتيان دو لا بويسي عام 1576.
تعد ظاهرة تاليه الحاكم احد مظاهر الخلل الحاد في المركب الحضاري للمجتمع. ويتجلى الخلل في علاقة الحاكم-الاله بالمحكومين الذين سوف تصادر حريتهم وحقهم بتقرير المصير، ويتحولون الى عبيد للحاكم الذي يضع موتهم وحياتهم تحت اشارة يده. كما يتجلى الخلل في علاقة الحاكم- الاله بالدولة حيث تصبح الدولة ملكا شخصيا للحاكم، فيكون المطار باسمه، والشارع باسمه، والمستشفى باسمه، والتاريخ باسمه (قادسية صدام، ومطار صدام، ومدينة صدام مثالا)، ولا يبقى للقانون والمؤسسات قيمة.
اسوق كل هذا الكلام لوقوع الشك في نفسي، وارجو ان اكون على خطأ، بوجود عملية مصغرة لتأليه حاكم وبناء عبادة شخصية على قدر حجم صاحبها، لكن يمكن ان تتطور الى حالة مشابهة لحالة صدام، اعلاميا على الاقل، ولكن بعد فوات الاوان. ربما كان الناس غير منتبهين لذلك، فهذا جرس انذار. ويمكن ان يكون الشخص المعني غير ملتفت لهذا، فهذا تنبيه له. وربما اكون على خطأ، وهذا ما سوف اشكر الله عليه لاحقا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق