مقالات

صُنع من قبل الناس- محمد عبد الجبار الشبوط

محمد عبد الجبار الشبوط

“ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.
وسبب فساد الناس هو الخلل الحاد في منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة، وهي: الانسان، الطبيعة، الزمن، العلم، والعمل.
والناس صنفان: حاكمون ومحكومون.
فاما الحاكمون فهم كل الافراد الذين يشكلون اجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية والامنية والعسكرية الخ.
ويبلغ عدد هؤلاء في العراق حوالي ٤ ملايين فرد.
واما المحكومون فهم غيرهم.
يملك الحاكمون وحدهم سلطة التحكم بالمال العام وامكانية استغلال الموقع الحكومي لتحقيق المنافع الشخصية والاثراء غير المشروع.
وهذا هو الفساد الحكومي.
اما المحكومون فهم يملكون حق الانتفاع والتصرف بالممتلكات العامة، وعليهم الامتثال للقوانين والتعليمات. وفسادهم يتمثل في سوء استخدام الممتلكات العامة، وفي عدم تطبيق القوانين.
وبين الفسادين نحو ارتباط وتأثير متبادل؛ لكن فساد الحكام اشد ضررا واوسع مساحة من فساد المحكومين. فاذا صلح الحكام صلح المحكومون، واذا صلح المحكومون صلح الحكام. ويصح الامر اذا استخدمنا الفعل “فسد” في الجملة السابقة.
واذا خرج المحكومون ضد فساد الحكام، وجب ان يكونوا صالحين، والا كانوا كمن تقصدهم الاية الكريمة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟”، او بيت الشعر المنسوب لابي الاسود الدؤلي:
لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
ولا امل باصلاح الحكام الفاسدين الا باستبدال الفاسدين، لكن يمكن اصلاح فساد المحكومين بالعقوبات العادلة، لمن ارتكب عملت فاسدا منهم، وقبلها بالتربية الصالحة.
واستبدال الحكام الفاسدين يتم عن طريق الانتخابات النزيهة، او الثورة الناعمة اذا تعذرت الانتخابات النزيهة، او غيرها اذا تعذرت الثورة الناعمة. ويشمل هذا التظاهرات الاحتجاجية ضد المسؤولين الفاسدين. لكن يجب ان يكون سلوك المتظاهرين صالحا ايضا، دون ان يتسرب الفساد الى التظاهرات، لان المتظاهر الفاسد لا يمكن ان يكون عامل اصلاح.
واصلاح المحكومين يتم في المدرسة، اولا، من خلال النظام التربوي الحضاري الصالح الذي يتكفل بناء جيل صالح من المواطنين الفعالين على مدى ١٢-١٦ سنة. ويقوم النظام التربوي الحضاري الصالح بغرس القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري في نفوس المواطنين منذ نعومة اظفارهم حيث يقوم بتربيتهم على حب الوطن والدولة، و الصدق والاخلاص والوفاء والامانة والاجتهاد في العمل والحفاظ على المال العام واحترام القوانين والمؤسسات، والحساسية العالية من الفساد، .. الخ. ويواصل النظام التربوي تربية الافراد على هذه القيم طيلة سنوات الدراسة، بكل الطرق النافعة، العقلية والدينية. وتتولى ذلك كل الدروس والمناهج والمقررات والنشاطات الصفية واللاصفية. كما يحرص المعلمون من الجنسين على تجسيد هذه القيم في سلوكهم وتصرفاتهم داخل المدرسة وخارجها لكي يكونوا قدوات صالحة يُحتذى بها.
واذا اراد الحاكمُ ان يصلح الاحوال في بلده، فان عليه ان يبدأ بالتعليم، ويجعل منه جهازا للتربية الصالحة، والتنشئة الحضارية. وفيما يتعلق بالعراق، فقد اقترحتُ عدة مرات تشكيل المجلس الدائم للتربية التي تُعهد اليه مسؤولية وضع النظام التربوي الحضاري الحديث والاشراف على تطبيقه، على ان يتألف من اعضاء دائميين متطوعين. وللاسف، لم يهتم رؤوساء الحكومات الذين تظاهروا بمحاربة الفساد بهذا الاقتراح!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق