مقالات

( عفطية آخر زمن ..!!؟ )

عنوان مثير يحمل الكثير من هموم أهلنا
و ما يعانيه الوطن من خراب و أهمال في
كل مرافق الحياة ..!!؟
دعونا نتابع هذا الموضوع برفقة كاتبنا
د.ياس خضير البياتي

مقالتي الأسبوعية المنشورة غدا يوم 15/10/202في صحيفة الزمان الدولية وطبعة العراق ومجلة الف باء في نفس الوقت بعنوان :
عفطيّة آخر زمن!
€€€€€€€€€€
عنوان مثير للجدل، وجدله في معناه الصادم، وبتفسيره المتناقض في ثقافة كل شعب، فالعفطي في ثقافة العراقي هو الأقسى صفة وتعبيرا عن الشخصية السيئة التي لا تستحي من أفعالها القذرة، هي كلمة فيها مسبّة وإهانة ونابية عراقية من الوزن الثقيل، هو (تافه ومنحط لا يسوي العفطة)، بينما في اللغة لها معنى آخر، وفي لسان العرب عفط يعفط عفطا وعفطانا، فهو عافط وعفط، والرجل العُفاطيُّ هو الألكَنُ الذي لا يُفْصِح، وهو العفّاط. وفي حديث علي رضي الله عنه (ولكانت دنياكم هذه أهون عليّ من عفطة عنز)
ومن سوء حظ العراق أن يحكمه اليوم عفاطوّن وشفاطوّن ولفاطوّن يقررّون مصير العباد، ويتحدثون لنا بدون خجل عن الوطنية بالفم المليان، وينظّرون لنا عن الحكم الرشيد والمواطنة والديمقراطية، وهم إذا جمعتهم بمنطق الرياضيات في ميزان السياسة، فقد يشكلون وزناً لا يساوي صفراً، وكتلة عددّية عديمة الفائدة، وفاقدة للجاذبية، وفي منطق الكيمياء ليس لها طعم ولا رائحة، بل إنها ضارة مثل المواد الكيميائية كالسموم والمسرطنات والمواد المشعة وروائح المجاري، فهم شلة من السياسيين الفاسدين التي تحكمهم أهواء السلطة والثروة والمنفعة، وأهواء تمزيق الوطن وبيعه، حيث أعادوا لنا عصور التخلف بمنطق عصور الجاهلية الأولى! وحولوا العراق من بلد حضارات إلى بلد لصوص، ووضعوا (قفلاً) على الوطن وجعلوه مصرفا للنهب!
بدون النظر من المايكروسكوب السياسي، فإننا نستطيع أن نرى العراق أوضح من الشمس في مآسيه وأحزانه، فما عاد دولةً يفتخر بها مثلما كان، ولا مكاناً صالحاً للعيش، ولا صورة جميلة يتغزل بها الشعراء في قصائدهم، وما عادت فيروز تنشد: (بغداد والشعراء والصور)، لأن العراق الجميل في الثقافة والفن ما عاد جميلاً في شعره ومسرحه وأغانيه، بل أصبح قبيحاً بوجود هذه الوجوه الكالحة المتخلفة التي حولت العراق إلى دولة خرافات تنبش قبور الموتى، وتعيدهم ليحكمونا بدولة مكونات تتصارع على النفوذ والسلطة والمنافع، ودولة عصبيّات ومظلوميّات يشتعل بالانفجارات والمفرقعات والأزمات المستمرة التي لا تهدأ، لأن الحاكم من فصيلة الدم الهجيني القادم من تاريخ القتل والمؤامرات والخرافات والأساطير! كان ابن خلدون على حق عندما قال بمعناه: لا تكلوا أموركم إلى أراذل الناس؛ لأنهم لا يأتون إلا بالخراب والدمار!
صورة العراق اليوم في حكامه وبؤسه وأحوال شعبه، لا تجدها اليوم في أفقر بلد في العالم، لا في الصومال ولا موزمبيق، مرورا بأفقر قرية في أفريقيا والهند، ولن تجدها حتى في كوابيس الأحلام، لأن البلد أصبح ركاماً من النفايات السياسية، وركاماً من الحديد الصدئ، ومقبرة كبيرة للأحزان والفقر والموت. ما عاد هذا العراق عراقاً بنخله وبرتقاله وتراثه، إلا حكايات من الماضي تحكى من أجل رفع المعنويات والتنفيس عن الآهات المزمنة، فقد اختفى من العراق أَلَقُه الجميل، وتم قتل التمدّن فيه مع سبق الإصرار، فتحولت المدن الجميلة إلى أرياف بائسة استوطن فيه الأغراب والمعممون والدجالون والمنجمون والمليشيات واللصوص، وغدت السلطة أهم من الشرف، والحكم أثمن من الأخلاق، وأصبح العراق مخزناً للمخدرات والسلاح، بدلاً من مكان لصناعة الحياة، وأغذية للفقراء، وأدوية للمرضى، وزهور للعاشقين.
ما عدنا نشعر بجمال العيش في عراق الثقافة والتمدن، لأنه أصبح مجرد عشوائيات متنافرة ومتوالية بالفقر والقبح، كأننا نعيش في قرية مهجورة كتب عليها أن تكون موضع تندر لأتعس قرية على خريطة العالم!
أين حكام العراق من (خوسيه موخيكا) رئيس دولة الأوروغواي، الذي يظهر مواطناً من عامة الناس، يقود سيارته القديمة من دون حماية وإجراءات أمنيه، وفي كوخه الصغير يحضّر الشاي، ويسقي النباتات، ويحرث الأرض، ويتبرع من راتبه البالغ (12.550) دولار بتسعين بالمئة منه للفقراء والباقي (1250) دولاراً ينفقها لنفسه. وكان هناك زعيم شعبي اسمه (تشافيز) في أمريكا اللاتينية مات بدون أن يترك دولاراً في ميراثه، بل ترك لنائبه (مادورو) مكتباً رئاسيّاً يحتوي على منضدة مكتبية بسيطة وكراسي لا تجدها في قصور الحكم إلا عند الفقراء. مثلما يسجل التاريخ لرئيس وزراء سنغافورة (لي كوان يو) في مشهد وطني رائع، وهو يبكي بكاء مرّاً على مستقبل شعبه بعد الانفصال عن ماليزيا، حيث تعيش حالة الفقر، وتغمرها المستنقعات ويملؤها البعوض، لكنه قاوم الظروف القاهرة بوطنية المخلص الشجاع ليجعل سنغافورة ثالث أكبر مركز لتكرير النفط، وأكبر ميناء في العالم، ويحول شعبه من شعب تعيس إلى شعب أكثر إنتاجا ورفاهية وسعادة!
في المشهد الآخر من خريطة العالم دولة اسمها العراق، يعيش فيها لصوص من الحكام في مكاتب مطرّزة بالرفاه والضخامة والأثاث المستورد المطلي بماء الذهب، وينعمون بقصور مملوءة بالذهب والياقوت تشبه قصور أباطرة الرومان، وبحياة مترفة وباذخة فيها يخوت وطائرات خاصة ورحلات استجمام في أكثر بقاع الدنيا تكلفة، مثلما يملكون مصارف وشركات وملاهي وعقارات تنتشر في كل مكان شرقاً وغرباً، وأبناء لهم يمتلكون ميراثاً للعيش لأكثر من مائة عام برفاهية السلاطين. ولو كان السياسي العراقي له واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب! وصدق المثل الشعبي الذي يقول: (لا تخاف من شبعان وجاع، بل خاف من الجائع لأنه لن يشبع أبداً).
هكذا هي صفة حاكم العراق اليوم المُتخَم بالمال الحرام، والمهوّس باللصوصية، والمريض بعقدة الحرمان والجوع، والمسرطن بالجشع والطمع باسم الدين، حيث يلتهم كلَّ ما يجده أمامه مِن مُتَع الدنيا وملذاتها، ولا يشعر بالآخرين إلا بنفسه الجشعة المريضة التي هي بمثابة النار التي تأكل الحطب دون أن تشبع، فأسس (أرستقراطية دينية) أشعلت نار غضب الطبقات المحرومة التي ليس لها أمل في الحياة، ليصبح في دائرة التندُّر والحقد (باسم الدين باكونا الحرامية)!
نحمد الله أن الحاكم العراقي له مواسم للعطاء، موسم الانتخابات لتوزيع البطانيات أو كيلوين من السكر أو كارت موبايل، وموسم للاحتفالات الدينية لتوزيع (القيمة والتمن) متقمِّصاً شخصية المؤمن الحريص على حب الأئمة نفاقاً، بينما الأيام الطويلة الأخرى يخصصها لشفط ولفط الفلوس من مال الشعب الغارق بالفقر والجوع، ونهب المقسوم بالمليارات، فلا فقير محتاج يرفع منسوب إنسانيته، ولا شرف الوطنية يهزّ شوارب رجولته، فما عاد في الوطن المدمَّر حاكم وطني، بل لص قاتل للشعب مصاب بساديّة المرضى نفسيّاً، وعميل مؤجّر لتدمير الوطن.
يا لَه من زمن عراقي تعيس، وحاكم عفطي أتعس!
د.ياس خضير البياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *