غير مصنف

فيروس كورونا: وصمة “عار” تلاحق المصابين في المجتمعات العربية

[ad_1]

عواصم عربية- (بي بي سي):

“كيفك يا كورونا.. وين رايح يا كورونا ؟”.. مصعب من السودان.

“كيف تعلن إنك مصاب كورونا.. يعايرونا” .. معتصم من ليبيا.

“اوعى تقولي إنك بالكورونا ابتليتي ..انتي ست..فضيحة”.. جميلة من المغرب.

“اتوكلي ع الله، الكورونا نازل ومعاه قايمة من عزرائيل باللي هيموتوا”.. منار من مصر.

” آه.. تحكي عن إيه يعني؟!.. ما كلنا عيانين..” ضحى من مصر.

كل هذه عبارات كانت توجه لمجموعة أشخاص، من بلدان عربية مختلفة، والقاسم المشترك بينهم كان أمرين: أولهما أنهم أصيبوا بفيروس كورونا، وثانيهما أنهم عانوا عضويا ونفسيا على حد سواء.

وعندما التقيت بهم بعد شفائهم من “الفيروس التنفسي”، تحدث معظمهم عن”الألم النفسي” بالإضافة إلى ما وصفوه بـ”الوصمة الاجتماعية”.

لم يكن الأمر مجرد صعوبة في التنفس أو الحركة، ولكن كان إحساسا بـ “العار” لمجرد الإصابة بفيروس صُنف بأنه وباء عالمي، كما أن افتقار مجتمعاتهم العربية لثقافة الصحة النفسية، وبالتالي “الدعم النفسي الحقيقي” أدى إلى شعورهم بـ “العار”.

يعيش مصعب حسونة، وهو مخرج سينما مستقلة، في الخرطوم، وقد قرر، مع بداية انتشار “كورونا” في السودان، خوض تجربة تقديم “الدعم النفسي”، سواء لمن أصيبوا بالفيروس، أو لأي شخص يمر بتجربة العزل المنزلي، قائلا “السودانيون في رعب، ولا شيء يداوي الخوف إلا المعرفة”.

اعتقل مصعب خلال فترة الانتفاضة على البشير، لأكثر من أربعين يوما، وشعر بأن مرحلة زنزانة “المعتقل” تشبه فترة “الحجر الصحي”.

“مع بداية الوباء وإعلان حالة الطوارئ، قررت أن أحمل جهاز التصوير وأذهب إلى إحدى مستشفيات العزل، لتوثيق حكايات السودانيين وكسر حاجز الرهبة لدى السودانيين من الفيروس”.

منهم من قال لي: “عايز أنتحر..أنا مرعوب من كورونا”.

ومنهم من قال: “أكيد هي أكذوبة من الحكومات العربية.. ولا أي شي اسمه كورونا”.

وآخرون كانوا يتساءلون عن سبب وقوعهم في براثن الفزع، ونوبات البكاء والكوابيس “لماذا تصيبنا كورونا بأعراض كما الاكتئاب!”.

ويضيف مصعب: “من يصاب بالكورونا وينتبه للنكات والسخرية، التي تطلق عليه ستزداد بالتأكيد معاناته النفسية، بل قد يتدهور الأمر إلى اكتئاب أو رهاب اجتماعي”.

” كلما زادت المعرفة، قل الخوف”

رغم المسافة الجغرافية التي تفصل بين مدينتي الخرطوم السودانية وبنغازي الليبية، فإنه لا اختلاف بين حالة “الوصم” التي مر بها مصعب، والحالة التي مر بها بالطبيب الليبي الشاب، معتصم الشلماني، الذي قرر أن يعلن إصابته بالفيروس عبر صفحته على فيسبوك، في فيديو أثار جدلا كبيرا بين من بارك خطوته، وبين من وصفها بأنها ستجلب “العار” لنفسه وعائلته.

في ليبيا “المجتمع غريب”، هذا يتحدث معتصم، الذي قرر أن يعزل نفسه، في بيت بعيد عن قلب مدينته بنغازي، كي يكون أقرب إلى البحر والهدوء، وكي يبتعد في الوقت ذاته عما تعرض له بعد إعلانه الإصابة.

يقول معتصم: “المجتمع غريب جدا، لدرجة أن المحيطين بي أصروا على ضرورة ابتعادي، لأنهم كانوا يرون أن الناس ستنفر مني بعد الإصابة”.

وقرر معتصم في بداية الوباء كما مصعب أن يساعد الناس بتقديم خدمة الدعم النفسي، لذلك يقول: “لاحظتُ حينها أن الناس حتى لو كان لديهم معلومات عن الفيروس، فهم لا يصدقونها بل ويشككون فيها، ما نتج عنه حالة من الهجوم والوصم لكل من يصاب، وأحد أهم أسباب عدم التصديق هو ما ينشر من معلومات مضللة”.

حديثي مع الطبيب معتصم كان وقت حجره الصحي، في بيته المطل على بحر بنغازي، ورغم شعوره بالوحدة بسبب “نفور” المحيطين به، فإنه أبلغني بأنه لا يزال يقدم دعما ومعلومات عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، متفقا مع مصعب في أنه “أنه كلما زادت المعرفة، قل الخوف”.

“لم أكن إنسانة”

جميلة من المغرب كانت الوحيدة ممن تواصلت معهم، للحديث عن تجربتها النفسية وقت الإصابة بالكورونا، التي اختارت أن تخفي اسمها الحقيقي، لأنها بسبب والديها شعرت بأنها في “عار”.

وتحكي جميلة التي تحترف الكتابة وتهتم بموسيقى “الراي”، أنها كانت وحدها ببيتها الصغير حين خارت قواها، من وطأة الكورونا على جهازها التنفسي والعصبي، واضطرت للذهاب إلى والديها للرعاية، ثماستعانت بأحد أصدقائها كي يرافقها في رحلة الذهاب إلى المستشفى، وغيرها من تفاصيل وصفتها أمها بأنها تحتاج إلى “رجل”.

وقد شدد والداها على ألا تبوح لزميلها أنها أصيبت بالكورونا، حتى لا يبتعد عنها أو “يعايرها”، ولكي لا يؤثر ذلك على فرصة زواج محتملة بينهما، بعدما باتت مصابة بـ “الوباء”.

ورغم أن “جميلة” شابة مستقلة ناجحة في حرفتها، فإنها أولا وأخيرا تبعا لوصف الوالدين “فتاة”، أي يجب أن تحافظ على صورتها بين العائلة ومع أصدقائها، لذلك تقول بنبرة شجن وغضب في آن واحد: “ما الذي أتى بسيرة الزواج..أنا كنت على شفا الموت وقت الإصابة..لم أستطع التنفس أو الحركة أو الكلام .. لم أكن إنسانة”.

وتقول جميلة: “أعراض كورونا النفسية لا توصف، إذ كنت أتعرض في كل لحظة لنوبة فزع أو ضيق أو بكاء هستيري. وكنت أشعر أنني على حافة الموت نفسيا، وأريد الحديث عما يدور بداخلي، لكن والدي كانا يعتبران الفضفضة رفاهية”.

” كنت أريد أن أجهش بالبكاء لصديقة عمري عبر الهاتف، لكن أمي كانت تقف وراء الباب وتصرخ بألا أنطق بشيء”.

ربط خاطئ

“الوصمة” في أبسط تعريفاتها، طبقا لمنظمة “أطباء بلا حدود”، هي ربط خاطئ بين شخص أو عدة أشخاص ومرض معين، وكأنهم مصدر أو سبب لهذا المرض، بإطلاق ألقاب عليهم أو التمييز ضدهم أو حرمانهم من حقوقهم الاجتماعية.

وتقول منظمة الصحة العالمية إنه في زمن الأوبئة والكوارث الطبيعية، لابد من تقديم ما يعرف بخدمة الدعم النفسي، التي تساعد الناس على تقبل الأزمة ومساندة بعضهم بعضا بطريقة أكثر “إنسانية”.

ويؤكد مركز الدراسات البريطاني “معهد كينغز كوليدج” أن الحجر الصحي تجربة غير مرضية نفسيا، لما تحويه من فقدان للحرية والخوف من فقدان الحياة أمام هذا الفيروس، كما يصف الدكتور باسم حبيب، استشاري الأمراض النفسية، من يصاب بالكورونا بأنه يتعرض لـ “صدمة” حقيقية، مضيفا أن “اضطراب ما بعد الصدمة”، في أبسط التعريفات نفسيا، هي أن يشعر الإنسان بأن حياته في خطر.

ويوضح “معهد كينغز كوليدج” أن “الوصمة” تظهر في أوقات الأوبئة والكوارث، وتطغى مع ازدياد الجهل بكيفية المساندة والدعم، أو ببساطة كيفية تقديم طمأنة حقيقية وإنصات حقيقي، لما يمر به الشخص من ألم نفسي”.

منذ بداية وباء كورونا، تحذر منظمة الصحة العالمية من أن الألم النفسي غير مرئي ولا يلقى اهتماما، ولذا لابد من الانتباه للصحة النفسية لمصابي الوباء.

ويقول الدكتور باسم حبيب، استشاري الأمراض النفسية بمستشفيات ويلز بلندن، إن جزءا من أزمة وباء كورونا هو عدم وضوح التأثير النفسي على مصابيه حتى اللحظة، وإن الأطباء النفسيين ومراكز الدعم النفسي المختلفة لا تزال تجمع معلومات، عما يشعر به المصابون ولكن دون الوصول لنتائج حاسمة، بشأن الضرر الذي يلحق بالصحة النفسية لمصابي الكورونا.

تقول منظمة الصحة العالمية إن توفير “الدعم النفسي” للمصابين أمر ضروري، لأن “الإنسان عدو ما يجهل” و”كلما زادت المعلومات كلما خفت حدة الخوف والأمراض النفسية، وبالتالي الوصم”.

“كورونا معها قائمة من عزرائيل”

لم تكن منار تريد أن تكون وحدها في مواجهة الوباء، فهي شابة مصرية مستقلة عن عائلتها منذ سنوات في منزل منفرد، لذلك لملمت كل شيء وسافرت إلى أهلها، بإحدى المدن الصغيرة البعيدة عن القاهرة.

سافرت منار إلى عائلتها لكي لا تكون وحدها في مواجهة كورونا

كانت منار تريد الأُنس، لكنها لم تكن تعلم أنها على موعد مع ما سمته بـ “أفكار دينية واجتماعية”، سببت لها قلقا وفزعا وباتت تفتقر للدعم في وقت إصاباتها.

ومن أشهر العبارات “المستفزة”، كما وصفتها منار، “هي تلك العبارات التي تبدو في ظاهرها كأنها تقدم دعما، ولكنها تحوي في باطنها إهمالا و تواكلا باسم الدين والإيمان”.

“كورونا نازلو ومعاها قايمة من عزرائيل باللي هيموتوا”.

“الأعمار بإيد الله..ثم انتي مصدقة اللي التليفزيون بيقوله..ده شغل حكومات”.

تحكي منار أنها كانت الوحيدة الملتزمة بالعزل المنزلي بين عائلتها، وكررت لهم أكثر من مرة تخوفاتها من خروجهم يوميا، وأنهم قد يتسببوا في إصابتها رغم التزامها.

وصدق إحساسها .. إذ انتشرت العدوى بين أفراد عائلتها، والأدهى أن منهم من كان مصابا ويصر على الخروج يوميا ومخالطة الناس على اعتبار أن “الأعمار بيد الله” وأن “كورونا كذبة كبيرة”، إلى أن توفي أحد أقاربها، ما ضاعف لديها إحساس “الغضب”.

في تلك اللحظة من حديثي مع منار عبر الهاتف، أحسستُ أنها “تكتم” غضبا وحزنا شديدين، إذ قالت “رغم حزني على من توفوا، لكني بمجرد أن أستعيد هدوئي وصحتي النفسية سأتحدث إلى أمي لعلها تتفهم ما جرى”.

وتكمل منار: “كنتُ أحس بالوحدة، لا أحد يفهمُ مدى خوفي من الموت، فلا أحد من عائلتي كان ينصت لأنفاسي المتلاحقة وصرختي شبه المكتومة بمجرد الاستيقاظ من كابوس ثقيل .. لم يقدر أحد لا الألم العضوي ولا النفسي”.

“كلنا عيانين”

” آه تحكي عن إيه يعني؟!.. ما كلنا عيانين”.. هذه عبارة أرهقت الأم الشابة العشرينية، ضحى، التي وصفتها بأنها “مزايدة” وتقول “تخيلي أن أقاربي وأصدقائي كانوا يزايدون على مرضي”.

وكانت ضحى خلال إصابتها بكورونا حاملا في شهرها الثامن، وقرر الأطباء بعد وصول الفيروس للرئتين أن تحتجز في مستشفى للعزل، وتقول إنها لم تكن خائفة من “العزل” أو “الموت”، ولكن كانت تخاف “الوحدة” أو ” أن أكون وحيدة في مشاعري.. لم يكن أحد يتعاطف مع احتياجي للفضفضة والبوح”.

تروي ضحى أنها لم تكن تتوقع رد الفعل، عندما تعلن رغبتها في “الحكي” عن مخاوفها بشأن جنينها وفقد حياتها، ورعبها من غرفة العزل وثقل الوحدة، وأن يكون رد المحيطين بها حينئذ “كلنا عيانين.. عايزة تحكي عن إيه .. ما احنا كلنا في نفس القارب”.

كانت تشعر ضحى أن الحديث نفسه كان يحوي “وصما”، ما أرهقها كثيرا بل إن ما زاد “الثقل النفسي” أنه حتى من كان يحاول أن يستمع لها، كان يردد عبارات لا طائل منها، عبارات “فارغة” من أي حب.

“انتي بتدلعي..لازم تاكلي..لازم تاخدي الدوا”.. كل هذه العبارات رغم أنها تحوي ظاهريا “دعما”، لكنها كانت “مفتعلة ومبتذلة ومهينة” بالنسبة لها، على حد وصفها، كإنسانة تنتظر مولودها.

كان والداي يصران على ألا أكتب أي شيء، أو أتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة العزل في المستشفى، رغم أن فيسبوك كان المتنفس الوحيد لي حينها، كي أتحدث مع أصدقائي وأشعر بأنني مازلت “إنسانة حية”، فهم كانوا يرون أن المريض لا يجب أن يعلن عن مرضه لأحد.

يقول الدكتور باسم حبيب، استشاري الأمراض النفسية، إن السبيل الوحيد لتجاوز أزمة مثل الحجر الصحي لمصابي كورونا هو تحقيق ما يسمى بـ “الرفاهية النفسية”. وهي في رأيه، تعني أن يكون للإنسان روتين يومي فيه تواصل اجتماعي وممارسة الرياضة، وأن تكون لديه هواية .

وتؤكد منظمة الصحة العالمية، أنه إذا لم تؤخذ الرفاهية النفسية لمصابي الكورونا على محمل الجد، سيؤدي ذلك إلى “تكلفة اجتماعية نفسية كبيرة جدا بعد سنوات”.

مصعب ومعتصم وجميلة ومنار وضحى، جميعهم خاضوا خبرة “نفسية” عن العزلة والوحدة والخوف، واختاروا الإعلان عن إصابتهم برغم “الضغط الاجتماعي”، ووصف إصابتهم بأنها “عار” أو “وصمة”، وكأنهم يمهدون السبيل أمام أنفسهم وأجيال قادمة، لما يعرف بـ “الحرية النفسية” في زمن الوباء و”الوصمة الاجتماعية”.

[ad_2]
Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *