غير مصنف

لماذا يعتقد الناس حول العالم أن البريطانيين يتسمون بجمود الم

[ad_1]

لندن- (بي بي سي):

كان عامل النظافة يجلس على طاولة صغيرة أمام سوق ليدنهول في وسط العاصمة البريطانية لندن، وعيناه متسمرتان على كوب شاي أمامه. وقد التقيت هذا العامل الستيني منذ بضعة أسابيع حين كنت في زيارة إلى السوق.

ومن دون أن يلتفت إلي، سألني باقتضاب: “عدت مجددا؟”، وأجبته وأنا أهم بالجلوس على الطاولة المجاورة: “مجرد زيارة سريعة”. ثم ساد صمت قطعه بعد برهة قائلا بصوت منخفض: “هل شاهدت خطاب بوريس جونسن أمس؟”، وأومأت برأسي بالإيجاب.

وقال مبديا بعض علامات الضيق كما لو كان يشتكي من أطفال مزعجين: “كورونا اللعين”. ثم هز رأسه ساخطا وتناول آخر نقطة من الشاي ونهض قائلا: “حسنا لنستأنف العمل”. وبعد إيماءة بسيطة، اختفى بين زوار السوق المبني على طراز العصر الفيكتوري.

كان هذا الحوار نموذجا مثاليا للتفاعل اليومي بين البريطانيين، فقد كان مقتضبا، ولا ينطوي إلا على تعبيرات طفيفة عن المشاعر. وقد يجسد رباطة الجأش البريطانية على أكمل وجه.

إذ ترسخت في الأذهان صورة نمطية عن البريطانيين، لم يعد بوسعنا – نحن البريطانيين – التخلص منها. فقد اشتهر البريطانيون بالتحفظ والتماسُك وثبات العزيمة وجمود المشاعر، وضبط النفس.

وكثيرا ما يفسر الآخرون رباطة جأش البريطانيين على أنها عدم نضوج عاطفي. إذ انتقد الروائي البريطاني إدوارد مورغان فورستر، أبناء جلدته واصفا أياهم بأنهم: “أقوياء البنية، وعقولهم مكتملة النمو نسبيا، لكن قلوبهم غير ناضجة”.

لكن هل ينطبق هذا الوصف على البريطانيين الآن؟

وتمتد جذور رباطة الجأش والصبر على الشدائد إلى الفلسفة الرواقية، وهو مذهب فلسفي ظهر في اليونان قديما لفهم الألم والمشقة وكيفية التعامل معهما بصدر رحب. وقد تحمل نظرة البريطانيين للحياة بعض سمات الفلسفة الرواقية، بدءا من الشعار البريطاني الشهير “ابق هادئا وواصل العمل”، إلى الاعتقاد الراسخ بأن فنجانا من الشاي هو رد الفعل الوحيد الملائم للأزمات.

وقد يلاحظ زوار المملكة المتحدة كثرة العبارات التي تحث على الصبر والصمود في وجه الشدائد، مثل “تلمس طريقك نحو الهدف” و”ثابر على العمل الشاق”، و”تشجع ولا تبتئس” و”تحمّل الصعاب”.

وهذه العبارات التي تحث على مواجهة الشدائد برحابة صدر، على غرار الرواقيين، تستهوي الشعب البريطاني. لكن هل يملك البريطانيون حقا زمام مشاعرهم كما يظن الكثيرون؟

في عام 2012، أجرت مؤسسة غالوب استطلاعا للرأي شمل 151 دولة، لقياس الانفعالات اليومية، إيجابية أو سلبية، التي يبديها سكان هذه الدول. وكان البريطانيون، بحسب التصنيف، من أكثر الشعوب إظهارا للانفعالات، بعد الشعب اليوناني مباشرة. وحلت بعد بريطانيا 93 دولة أقل إظهارا للانفعالات.

لكن لكي نفهم أسباب هذه السمعة التي اشتهر بها البريطانيون، قد نحتاج لسبر أغوار تاريخ بريطانيا.

منذ 400 عام، كانت الشخصية البريطانية مختلفة تماما عن الصورة النمطية التي ألفناها في الوقت الراهن. ووصف توماس ديكسون في كتابه “بريطانيا الباكية: صورة لشعب يذرف الدموع”، البريطانيين الذين عاصروا وليم شكسبير بأنهم اشتهروا بـ “العمل الشاق والثمالة وعشق اللحوم والغضب والعنف والسذاجة والكآبة”.

وفي هذا العصر، وصف توماس رايت في كتابه “انفعالات العقل” في عام 1604، كيف أتقن أولئك الذين يعيشون في البلدان الأكثر دفئا، كالإسبانيين والإيطاليين، إخفاء انفعالاتهم، بينما يطلق البريطانيون العنان لمشاعرهم دون تحفظ- لكن ربما يبدو أن الآية انعكست في القرن الحادي والعشرين.

وكانت الثورة الفرنسية في عام 1789 واحدة من أولى العوامل التي حفزت البريطانيين على ضبط النفس. إذ شعر الكثير من البريطانيين، الذين أبدوا إعجابا بقيم الحرية وحقوق الإنسان التي تمخضت عن الثورة، أن الأمور في فرنسا خرجت عن السيطرة، أو بعبارة أخرى، غلبتهم مشاعرهم الجياشة حتى فقدوا السيطرة على الأمور.

ويقول ديكسون: “تضاربت الآراء في هذه اللحظة، فقد بدا أن الثورة انتصار عظيم للسياسيين الجمهوريين أصحاب النزعة الإنسانية، لكنها سرعان ما انزلقت في هاوية العنف. وهذا يؤكد أن العواطف خطيرة وجامحة وينبغي مقاومتها”.

ولم تكد تمر أربع سنوات حتى نشبت حرب بين الدولتين، في خضم المعارك التي خاضتها فرنسا مع الممالك الأوروبية في أعقاب الثورة الفرنسية. وهنا شرع البريطانيون في كبح مشاعرهم. فقد كانت الثورة الاجتماعية التي اجتاحت فرنسا تهدد بقلب الأوضاع في بريطانيا، وكان ينبغي مقابلة الفوضى بضبط النفس والتحفظ.

ودام الصراع بين إنجلترا وفرنسا ربع قرن، وانتهى بنفى نابليون بونابرت إلى جزيرة سانت هيلينا في عام 1815. وبإزاحة المنافس الرئيسي لبريطانيا، تهيأت الفرص لتوسع الإمبراطورية البريطانية، وأخذت عقيدة الاستعلاء البريطاني وقوة العزيمة وضبط النفس تنمو وتتأصل في نفوس البريطانيين، وأسهمت في تحقيق ثروات وانتصارات عديدة، لكنها حملت في طياتها الاستغلال والجرائم الهمجية.

وفي الفترة من عام 1815 إلى 1914، اتسع نفوذ الإمبراطورية البريطانية وضمت أراض مساحتها 10 ملايين ميل مربع يسكنها زهاء 400 مليون شخص، وصيغت بعناية هوية ثقافية جديدة للبريطانيين.

ويقول ديكسون: “كانت رباطة الجأش في البداية حكرا على الطبقة العليا، ثم تغلغلت إلى المدارس والجامعات وتحولت إلى مفهوم عسكري، يعكس أسلوبا قاسيا ووحشيا لكبت المشاعر والانفعالات ومنهجا لحكم العالم يرتكز على قدرة فائقة على ضبط النفس، لكنها سرعان ما انحرفت عن مسارها وتحولت إلى ظلم وبطش وطغيان”.

وكتب تشارلز داروين في عام 1872 في كتابه “التعبير عن الانفعالات لدى الإنسان والحيوانات” يقول: “القساة يبكون بغزارة من أهون الأسباب، في حين أن الرجل الإنجليزي نادرا ما يبكي، إلا إذا دفعه لذلك أشد الفواجع”.

وسلطت الكتب والأشعار والمسرحيات في هذه الفترة الضوء على هذه المبالغة في تحمل الصعاب وكبت الانفعالات، إذ تدور قصيدة “لو” لروديارد كيبلينغ، وقصيدة “هجوم اللواء الخفيف” لألفريد تينيسون وقصيدة “لا يُقهر” لويليام إيرنست هينلي، حول العزيمة والصمود في وجه الشدائد.

وقد ارتبطت صفات الصبر وتحمل الصعاب بلا امتعاض في البداية بالذكور من الطبقة العليا، لكنها سرعان ما انتشرت على نطاق أوسع.

ويقول ديكسون: “انتشرت صور أخرى للصبر والجلد بين الطبقة العاملة، فقد راجت صورة الأم من الطبقة العاملة التي تتحمل العمل المضني دون شكوى”. وقال الاتحاد القومي للجمعيات التي تطالب بحق النساء في الانتخاب في عام 1914: “النساء المعاصرات يتحتم عليهن أن يخفين دموعهن، لأن لديهن أعمالا يجب تأديتها”.

وبلغت رباطة الجأش البريطانية ذروتها في النصف الأول من القرن العشرين. وتقول كاثرين إليس، أستاذة التاريخ بجامعة رايرسون في كندا: “في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أيقنت بريطانيا أنها خسرت الكثير رغم الانتصارات التي حققتها. أضف إلى ذلك استقلال الكثير من مستعمراتها، ومن ثم كان عليها التشبث بالأراضي المتبقية تحت نفوذها”.

وخلفت حرب البرق، التي تعرضت خلالها مدن عديدة في بريطانيا للقصف في عامي 1940 و1941، دمارا واسعا، ومهدت لانتشار صورة لصمود بريطانيا وقدرتها على دحر العدو. لكن هذه الصورة لم تكن مثالية كما صورتها كتب التاريخ.

ففي حقبة الحرب العالمية الثانية، ارتفعت معدلات الجرائم بنسبة 57 في المئة، وارتفعت معدلات السطو وسرقة الحصص الغذائية والتربح من السوق السوداء. وارتفعت معدلات القتل بنسبة 22 في المئة.

وتقول إليس: “لا شك أن الحزن والخوف كانا حاضرين في المشهد، لكن هذه المشاعر لا تناسب السردية الوطنية للقوة والبسالة، وشدة بأس البريطانيين في مواجهة الفاشية”. لكن هذه الهوية التي صيغت بعناية فائقة لم تستمر طويلا.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهدت بريطانيا تحولات كبيرة أدت إلى تشكيل هوية بريطانية جديدة. ففي عام 1965، لم يزد سكان المستعمرات الخاضعة لحكم بريطانيا على خمسة ملايين نسمة، فيما عُدّ إيذانا بزوال نفوذ قوة عظمى عالمية.

وفي عام 1948، منح قانون الجنسية البريطانية لمواطني دول الكومنولث الحق في العيش والعمل في المملكة المتحدة، لتعويض نقص العمالة، وتوافد على بريطانيا مئات الآلاف من الناس من مختلف أنحاء العالم. ومن ثم تشكلت هوية بريطانية جديدة متعددة الثقافات، مهدت لإطلاق العنان للمشاعر والانفعالات تدريجيا.

ويقول ديكسون: “شهدت بريطانيا تحولا ثقافيا في الستينيات”، فلم تعد رباطة الجأش تستهوي الشعب البريطاني، وأخذت بريطانيا تتحرر من القيود على المشاعر والانفعالات، وتجلى ذلك في التهافت على المتع والملذات في حقبة الستينيات التي ازدهر فيها الفن والموضة والحريات، وفي الاحتجاجات العارمة إبان إضراب عمال المناجم في الثمانينيات، وفي اليأس والألم بعد كارثة هيلزبره في عام 1989، وكان من أوضح تجلياتها المشاعر الجياشة التي أظهرها البريطانيون لوفاة الأميرة ديانا في عام 1997.

وكتب الصحفي البريطاني أندرو مار: “بريطانيا نظرت إلى نفسها فجأة في المرآة، ولم تتعرف على الوجه الذي كانت تحدق إليه. فقد تلاشت رباطة الجأش والتحفظ والكتمان. لقد كانت ديانا أميرة بلد آخر، متعدد الثقافات ومتحرر وجياش العواطف”.

لكن هذا لا يعني أن البريطانيين تحرروا من جميع القيود على العواطف والانفعالات، فنحن بلا شك أصبحنا أكثر قدرة على التعبير عن المشاعر، لكن الماضي الاستعماري الذي امتد 150 عاما حين حققنا انتصارات وفقدنا جميع المستعمرات، لا يزال يخيم على حاضرنا.

وفي الخامس من أبريل، وجهت الملكة خطابا للأمة استدعت فيه “مشاعر ضبط النفس، والعزيمة الهادئة والمرحة، والتعاطف مع الآخرين، وهي مشاعر لا تزال تميز هذا البلد”.

وبعد أن غادرت سوق ليدنهول، سألت رجلين وامرأة كانوا أمام متجر للزهور، عن رأيهم في رباطة الجأش التي اشتهر بها البريطانيون، لكنهم قالوا إنها قد عفا عليها الزمن ولم يعد هناك مكان لهذه المشاعر في الوقت الحاضر.

[ad_2]
Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *