مقالات

الزعامة السياسيةالثابت الشيعي والكردي. المتحول السني

علينا من أجل فهم تمايز الزعامة السياسية في العراق مابين الشيعة والسنة والكرد، أن نفهم باختصار كيف يحلل العلم المختص بثقافة الجماعات البشرية ” الانثروبولوجيا” موضوع الزعامة السياسية؟
تأريخيا ركزت الدراسات التأسيسية على البعد الاجتماعي في تحليل الزعامة السياسية، أي إن فهم الزعامة متعلق بفهم الوظيفة العضوية لها في مجتمع او جماعة ما. وهو المنحى الذي تقدمه الانثروبولوجيا الوظيفية، التي تعد الزعامة أحد نظم النسق السياسي. فيما ذهب ستروس الى فهمِ يتصل ببنية اطلق عليها ” التراضي”. وعد أن العلاقة مابين التابع والزعيم هي علاقة طوعيّة تقوم على التبادل. أما الماديون الثقافيون فقد تجاوزا المظهر الاجتماعي للزعامة من غير رفض اعتباره التمايزي الى التأكيد على الجدوى الاقتصادية لمؤسسة الزعامة، كما يقدمه مارفن هاريس لزعماء مهرجان الشتاء في كتابه” ألغاز الثقافة”.
فيما ذهب فيردريك بارث وهو أبرز علماء الانثروبولوجيا الذين اهتموا بدراسة الزعامة السياسية. الى رفض المنهج المعياري في تحليل الزعامة السياسية. ودعا الى اعتماد ما اسماه بـ” المنهج العملياتي”. عادا أن أتباع الزعماء يمرون بمرحلتين تصوغهما الاحوال التي يعيشونها. وهما مرحلتا ” الاختيار والقرار” وهو مايستوجب على الزعماء السياسيين أن ينجحا في إدراك هذه العملية للظفر بحجم أكبر من الاتباع.

سنكتفي بهذا القدر من عرض الاتجاهات التحليلية. لنستعرض السمات العامة للزعامة السياسية في العراق. فمنذ التحول الكبير للنظام السياسي في 2003. والى هذه اللحظة؛ يمكن القبض على سمات بارزة للزعامة السياسية الشيعية وهي المتموضعة بأنها محصورة في فضاء الاسلاميين السياسيين. والتحديد الاكثر أنهام ازالت الى اليوم محصورة في المعبرين عن ثلاثة رموز وهم ” السيد محمد باقر الصدر، آل الحكيم، السيد محمد محمد صادق الصدر”، فيما مازالت الزعامة السياسية الكردية محصورة في رمزين قوميين وهما ” البارزاني، الطالباني” وهذا الثبات المتقدم في المعيارية لانجد له مثيلا في الزعامة السياسية السنية. وهنا تنبغي الاشارة إلى أن الحديث عن الزعامة السياسية لايعني إستحالة المزاحمة، بيد أن الفاعلية الدينية والقومية عند الشيعة والكرد، مازالت هي من تفرض نفسها رغم المحاولات الطموحة لسياسيين في هذين الفضائين.

شيعيا مازال الصدر والحكيم والعامري والمالكي والخزعلي هم الاكثر فاعلية، وهكذا كان ومازال البارزاني والطالباني، حتى مع ضعف بعضهم إلا أن أحدا في الفضائين الشيعي والكردي الى الان لم يستطع بلوغ ما يبلغانه وما يمتلكانه. وهنا يأتي السؤال هل يتعلق الأمر بالذوات هذه أم بالهوية الدينية والقومية للشيعة والكرد؟ الجواب بشكلٍ مباشر: يتعلق بالهويّة. مثلما يتعلق أمر تحول الزعامة السياسية عند السنة بهويتهم.
تتصل هوية الشيعة بالعقيدة السياسية ” الامامة” كبنيّة” للزعامة السياسية. فيما تتموضع عقيدة” النضال القومي” منذ عصر القوميات المعاصر كبنيّة للزعامة السياسية الكردية، فيما تتسم الزعامة السياسية السنيّة بسياقية تأريخية مغايرة، وتبرز اشتراطاتها كما تقدمها الادبيات الكلاسيكية في الفكر السياسي العربي والاسلامي، وأبرزها عناصر الغلبة والعطاء.
عملياتيّا أستعان الزعماء الشيعة والكرد على الاشتراط المعياري” الامامة” ” النضال القومي”، ليشيدوا زعاماتهم التي باتت تتغذى عملياتيّا على مكاسب الزعامة المعياريّة. ومن مصاديق هذه التغذية هي ربط الزعامة العملياتيّة بهويّة لاوطنية للمعياريّة. لذا ربطت الزعامة السياسية الشيعية بالمعيارية الايرانيّة لوحدة الاهداف، وربط الكردية” البارزانيّة” بالاسرائيلية بوصفهما ينشدان كلاهما” حق الوجود المهدد تأريخيّا” فيما ربطت الكردية ” الطالبانية” بمعياريات متعددة، يتم المناورة عملياتيا به، فتارة الشيوعية. وتارة ايران، وأخرى الولايات المتحدة الامريكية.
في الفضاء السني تم السعي لصياغة متخيل سياسي لمعياريّة بعنوانات مختلفة منذ 2003 إلى اليوم. تتمثل بخطاب يدور حول حقوق ومستقبل الطائفة السنيّة في العراق، بيد أن المغايرة السنية عن الشيعية والكردية تتمثل بأن العملياتيّة هي محرك للمعياريّة. عكس مانجدها عند الشيعة والكرد. حيث تتمركز المعياريّة محورا للعملياتيّة. لايعني هذا اطلاقية الثبات بل ان اعتماد المعيارية منهجا للتحليل من الاساس تحيل الى النسبية من جانب، والى التغير كسمة لانثروبولوجيا فيردريك بارث

يلحظ أن عددا ممن لم يشارك في الانتخابات الاخيرة التي اقيمت في ايار 2018. أقل بكثير ممن شاركوا وهذا يعني أن المعيارية الشيعية فقدت تأثيرها عند الكثير من العراقيين الشيعة. بيد أن الانسداد يكمن في فقر أي معيارية أخرى على انتاج زعامة تزاحم معيارية ” الامامة”، وهذا ما انكشف بشكل واضح في احتجاجات تشرين 2019. فقد قدم هذا الحدث اعداداً كبيرة من الغاضبين على الزعماء السياسيين الشيعة. بيد أن هذا الغضب لم يجد له إطارا سياسيا جامعا له، فضلا عما صارت تمتلكه هذه الزعامات من أدوات العملياتية.

فيما يساهم نمط السلطة في اقليم كردستان القائم على احتكار الثروة والحكم شبه البوليسي هناك في توكيد الزعامة السياسية واضعاف أي مزاحمة تقوم على معيارية أخرى… أما في الحالة العراقيّة السنية، فلا يمكن العثور على معياريّة تأريخية سياسية، لا على مستوى الاقصاء القومي أو الديني. ولإن لا إرث يمكن أن يحمله أحد يرمز إلى معياريّة من هذا النوع، اتسمت الزعامة السياسية السنيّة بمعياريّة لحظويّة تدار عملياتياً، يحددها الفاعل العملياتي في النظام السياسي العراقي، وهم الشيعة السياسيين. لذا ومنذ 2003 إلى اليوم يتصدر في كل دورة انتخابية شخصية يحظى بالفاعلية الزعامتية أكثر من غيره. حتى بات الموقع السياسي الاهم للسياسين السنة، وهو رئاسة مجلس النواب. أشبه بقبر يعتليه صاحبه وبعد اربع سنوات يدفن فيه.
حيدر زوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق